السيد محمد حسين فضل الله
45
من وحي القرآن
نفسها عليهم من كل جانب ، بعيدا عن النوازع الذاتية ، أو عن التصورات الخيالية التي تقودهم إلى الانحراف . لقد انتهت فرصة التراجع عن الضلال ، لأن الدنيا عمل ولا حساب ، والآخرة حساب ولا عمل ، فلا شيء ينفع بعد الآن ، ولا مجال للانطلاق من جديد إلى الخط المستقيم ، ولا للتخلّص من مسؤولية الضلال ومن نتائجه العملية ، وساحاته الجهنمية التي تحتوي الضالين جميعا في عذاب شديد . لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وربما أريد من الضلال العذاب تعبيرا عن الشيء بنتائجه ، واللّه العالم . اللّه المالك للأرض وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ وعرفهم أهوال يوم القيامة وأوضاعه وطبيعته ، وكيف يمكنهم أن يتفادوا نتائجه المذلة المرعبة ، بتصحيح مواقفهم ، وتحسين أعمالهم في الدنيا ، بأنهم إذا لم يأخذوا بالتوبة ، وينطلقوا في الاتجاه الصحيح فسيواجهون الحسرة كل الحسرة والندامة ، كل الندامة إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وانتهى وقت العمل ، وأبرم الحكم ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عن الالتفات إلى طبيعة المصير الذي ينتظرهم بسبب الضلال ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ باللّه الواحد المنزّه عن الشريك وعن الولد . وهكذا ، سوف يقفون في موقف الحسرة لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى والإيمان . وما ذا بعد ذلك ؟ ومن الذي يأملون أن ينقذهم من عذاب يوم القيامة ؟ ومن هو الذي سيبقى لهم من كل هؤلاء الذين يشركونهم بعبادة اللّه فيطيعونهم ويعصون اللّه ؟ سيموت الجميع ، ولن يبقى إلا وجهه ، فهو ولي الأمر كله ، وهو ولي الحساب كله . إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ فلا مالك لها إلا اللّه ، وَمَنْ عَلَيْها فهم المملوكون للّه في البداية وفي النهاية ، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فيحاسبكم على ما قدمتم من خير أو شر ؛ فاستعدوا لذلك ، واحسبوا حسابه ، لتعرفوا كيف تواجهون المسألة ، وكيف تؤكدون الموقف على أرض صلبة قوية وقاعدة ثابتة .